۞i-muslim

Tafsir Ibnu Katsir — Surah Al-Hijr 89–93

The Rocky Tract · Arab

وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ15:89

كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ15:90

ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ15:91

فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ15:92

عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ15:93

يَأْمُرُ تَعَالَى نَبِيَّهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ: إِنَّهُ ﴿النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ الْبَيِّنُ النِّذَارَةِ، نَذِيرٌ لِلنَّاسِ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ كَمَا حَلَّ بِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهَا، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالِانْتِقَامِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ أَيِ: الْمُتَحَالِفِينَ، أَيْ: تَحَالَفُوا عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَكْذِيبِهِمْ وَأَذَاهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ أَنَّهُمْ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النَّمْلِ: ٤٦] أَيْ: نَقْتُلُهُمْ لَيْلًا قَالَ مُجَاهِدٌ: تَقَاسَمُوا: تَحَالَفُوا.

﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النَّحْلِ: ٣٨] ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٤] ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٩] فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُكَذِّبُونَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَقْسَمُوا عَلَيْهِ، فَسُمُّوا مقتسمين.

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْتَسِمُونَ أَصْحَابُ صَالِحٍ، الَّذِينَ تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى [الْأَشْعَرِيِّ] عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: يَا قَوْمُ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا، وَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فصبَّحهم الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وكَذب مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ"

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي: جَزَّؤوا كُتُبَهُمُ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِمْ، فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَنْبَأَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتاب، جَزَّؤوه أَجْزَاءً، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ، وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيان، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿كَمَا أَنزلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قَالَ: آمَنُوا بِبَعْضٍ، وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ: اليهُود وَالنَّصَارَى

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ، مِثْلُ ذَلِكَ.

وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قَالَ: السِّحْرُ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: العَضْه: السِّحْرُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، تَقُولُ لِلسَّاحِرَةِ: إِنَّهَا الْعَاضِهَةُ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَضوه أَعْضَاءً، قَالُوا: سِحْرٌ، وَقَالُوا: كِهَانَةٌ، وَقَالُوا: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَجْنُونٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَاهِنٌ. فَذَلِكَ

الْعِضِينُ وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمُ فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذَا الْمَوْسِمُ، وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعُوا بأمر صَاحِبِكُمْ هَذَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَيَرُدَّ قَوْلُكُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا. فَقَالُوا: وَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقُلْ وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُولُ بِهِ. قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ قُولُوا لِأَسْمَعَ. قَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ". قَالَ: مَا هُوَ بِكَاهِنٍ. قَالُوا: فَنَقُولُ: "مَجْنُونٌ". قَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ! قَالُوا فَنَقُولُ: "شَاعِرٌ". قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرٍ! قَالُوا: فَنَقُولُ: "سَاحِرٌ". قَالَ: مَا هُوَ بِسَاحِرٍ! قَالُوا: فَمَاذَا نَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ حَلَاوَةً، فَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا عُرف أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ أَنْ تَقُولُوا: هُوَ سَاحِرٌ. فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ، وأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أَصْنَافًا ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ دُوينك النَّفَرُ الَّذِينَ قَالُوا: ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ.

وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَالَ: عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ لَيْثٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ -عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَالَ: عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ الْقَاضِي، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ بَشِير بْنِ نَهِيك، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [قَالَ] عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

وَرَوَاهُ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ بَشِيرٍ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيم قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنَ مَسْعُودٍ -: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيَخْلُو اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَيَقُولُ: ابْنَ آدَمَ، مَاذَا غَرَّكَ مِنِّي بِي؟ ابْنَ آدَمَ، مَاذَا عملتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ ابْنَ آدَمَ، مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ ؟

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: قَالَ: يُسْأَلُ الْعِبَادُ كُلُّهُمْ عَنْ خُلَّتين يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَمَاذَا أجابوا المرسلين.

وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمَلِكَ، وَعَنْ مَالِكَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحُوَّاري، حَدَّثَنَا يُونُسُ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : "يَا مُعَاذُ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ سَعْيِهِ، حَتَّى كُحْلِ عَيْنَيْهِ، وَعَنْ فُتَاتِ الطِّينَةِ بِأُصْبُعَيْهِ، فَلَا أَلْفِيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدٌ أَسْعَدُ بِمَا آتَى اللَّهُ مِنْكَ"

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] قَالَ: لَا يَسْأَلُهُمْ: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟

Ibn Kathir (d. 774 AH) — Tafsir al-Qur'an al-'Azim

Dar Taybah critical edition, tahqiq Sami b. Muhammad Salamah (2nd ed., 1420/1999)