هَذَا تَأْدِيبٌ آخَرُ بَعْدَ الْأَوَّلِ: الْأمْرُ بِالظَّنِّ خَيْرًا أَيْ: إِذَا ذُكِرَ مَا لَا يَلِيقُ مِنَ الْقَوْلِ فِي شَأْنِ الْخِيَرَةِ فَأَوْلَى يَنْبَغِي الظَّنُّ بِهِمْ خَيْرًا، وَأَلَّا يُشْعِرَ نَفْسَهُ سِوَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنْ عَلِق بِنَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ -وَسْوَسَةً أَوْ خَيَالًا -فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حدَّثت بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَلْ" أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أَيْ: مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَفَوَّهَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَلَا نَذْكُرَهُ لِأَحَدٍ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى زَوْجَةِ [نَبِيِّهِ وَ] رَسُولِهِ وَحَلِيلَةِ خَلِيلِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أَيْ: يَنْهَاكُمُ اللَّهُ متوعِّدًا أَنْ يَقَعَ مِنْكُمْ مَا يُشْبِهُ هَذَا أَبَدًا، أَيْ: فِيمَا يُسْتَقْبَلُ. فَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَشَرْعِهِ، وَتُعَظِّمُونَ رَسُولَهُ ﷺ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالْكُفْرِ فَذَاكَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ أَيْ: يُوَضِّحُ لَكُمُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ والحِكَمَ القَدَريّة، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ، حَكِيمٌ فِي شَرْعه وقَدَره.