لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى دَاوُدَ، عَطَفَ بِذِكْرِ مَا أَعْطَى ابْنَهُ سُلَيْمَانَ ، مِنْ تَسْخِيرِ الرِّيحِ لَهُ تَحْمِلُ بِسَاطَهُ، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ يَغْدُو عَلَى بِسَاطِهِ مِنْ دِمَشْقَ فَيَنْزِلُ بِإِصْطَخَرَ يَتَغَذَّى بِهَا، وَيَذْهَبُ رَائِحًا مِنْ إِصْطَخَرَ فَيَبِيتُ بِكَابُلَ، وَبَيْنَ دِمَشْقَ وَإِصْطَخَرَ شَهْرٌ كَامِلٌ لِلْمُسْرِعِ، وَبَيْنَ إِصْطَخَرَ وَكَابُلَ شَهْرٌ كَامِلٌ لِلْمُسْرِعِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَمَالِكٌ عن زيد بن أسلم، و عبد الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: الْقِطْرُ: النُّحَاسُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ، فَكُلُّ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ مِمَّا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى لِسُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَالَ السُّدِّيُّ: وَإِنَّمَا أُسِيلَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أَيْ: وَسَخَّرْنَا لَهُ الْجِنَّ يَعْمَلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ اللَّهِ، أَيْ: بِقَدَرِهِ ، وَتَسْخِيرِهِ لَهُمْ بِمَشِيئَتِهِ مَا يَشَاءُ مِنَ الْبِنَايَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ أَيْ: ومَنْ يَعْدِلْ وَيَخْرُجُ مِنْهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ وَهُوَ الْحَرِيقُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا غَرِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَير ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنيّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْجِنُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ، وَصِنْفٌ يَحِلُّونَ وَيَظْعُنُونَ". رَفْعُهُ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَرْمَلة، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَر، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَنْعُمَ أَنَّهُ قَالَ: الْجِنُّ ثَلَاثَةٌ: صِنْفٌ لَهُمُ الثَّوَابُ وَعَلَيْهِمُ الْعِقَابُ، وَصِنْفٌ طَيَّارُونَ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ.
قَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ: وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَّ الْإِنْسَ ثَلَاثَةٌ : صِنْفٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ بِظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَصِنْفٌ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. وَصِنْفٌ فِي صُوَر النَّاسِ عَلَى قُلُوبِ الشَّيَاطِينِ.
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ مَرْزُوقٍ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ -يَعْنِي ابْنَ الْفَضْلِ-عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْجِنُّ وَلَدُ إِبْلِيسَ، وَالْإِنْسُ وَلَدُ آدَمَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ، وَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، ومَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنًا فَهُوَ وَلِيُّ اللَّهِ، ومَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كَافِرًا فَهُوَ شَيْطَانٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ : أَمَّا الْمَحَارِيبُ فَهِيَ الْبِنَاءُ الْحَسَنُ، وَهُوَ أَشْرَفُ شَيْءٍ فِي الْمَسْكَنِ وَصَدْرُهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَحَارِيبُ بُنْيَانٌ دُونَ الْقُصُورِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الْمَسَاجِدُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْمَسَاجِدُ وَالْقُصُورُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَسَاكِنُ. وَأَمَّا التَّمَاثِيلُ فَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: التَّمَاثِيلُ: الصُّوَرُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَكَانَتْ مِنْ نُحَاسٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مِنْ طِينٍ وَزُجَاجٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ الْجَوَابُ: جَمْعُ جَابِيَةٍ، وَهِيَ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الْمَاءُ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ:
تَرُوحُ عَلَى آلِ المَحَلَّق جَفْنَةٌ ... كَجَابِيَة الشَّيخ العِراقي تَفْهَق
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿كَالْجَوَابِ﴾ أَيْ: كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنْهُ: كَالْحِيَاضِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ.
وَالْقُدُورُ الرَّاسِيَاتُ: أَيِ الثَّابِتَاتُ، فِي أَمَاكِنِهَا لَا تَتَحَوَّلُ وَلَا تَتَحَرَّكُ عَنْ أَمَاكِنِهَا لِعِظَمِهَا. كَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمَا.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَثَافِيُّهَا مِنْهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمُ اعْمَلُوا شُكْرًا عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ.
وَشُكْرًا: مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ الْفِعْلِ، أَوْ أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْفِعْلِ كَمَا يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَبِالنِّيَّةِ، كَمَا قَالَ:
أفَادَتْكُمُ النّعْمَاء منِّي ثَلاثةً: ... يدِي، ولَسَاني، وَالضَّمير المُحَجَّبَا ...
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبلي : الصَّلَاةُ شُكْرٌ، وَالصِّيَامُ شُكْرٌ، وَكُلُّ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ لِلَّهِ شُكْرٌ. وَأَفْضَلُ الشُّكْرِ الْحَمْدُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَرَوَى هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي قَالَ: الشُّكْرُ تَقْوَى اللَّهِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ.
وَهَذَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالْفِعْلِ، وَقَدْ كَانَ آلُ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَذَلِكَ قَائِمِينَ بِشُكْرِ اللَّهِ قَوْلًا وَعَمَلًا.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ -يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ-عَنْ ثَابِتٍ البُنَاني قَالَ: كَانَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَدْ جَزَّأَ عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَنِسَائِهِ الصَّلَاةَ، فَكَانَ لَا تَأْتِي عَلَيْهِمْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا وَإِنْسَانٌ مِنْ آلِ دَاوُدَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَغَمَرَتْهُمْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنْ أَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صلاةُ داودَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. وَلَا يَفر إِذَا لَاقَى".
وَقَدْ رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سُنيْد بْنِ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: "قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ لِسُلَيْمَانَ: يَا بُنَيَّ، لَا تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ تَتْرُكُ الرَّجُلَ فَقِيرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَاهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا مُطَوَّلًا جِدًّا، وَقَالَ أَيْضًا:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ فَيْضُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّقِّيُّ قَالَ: قَالَ فَضِيلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ . فَقَالَ دَاوُدُ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَشْكُرُكَ، وَالشُّكْرُ نِعْمَةٌ مِنْكَ؟ قَالَ: "الْآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أَنَّ النِّعْمَةَ مِنِّي".
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ.