۞i-muslim

İbn Kesîr Tefsiri — Al-Kahf Sûresi 1–5

Mağara · Arapça

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ18:1

قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا18:2

مَّـٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا18:3

وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا18:4

مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِـَٔابَآئِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا18:5

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ]

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْكَهْفِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا، وَالْعَشَرِ الْآيَاتِ مِنْ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، وَأَنَّهَا عِصْمَةٌ مِنَ الدَّجَّالِ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ، وَفِي الدَّارِ دَابَّةٌ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَنَظَرَ فَإِذَا ضَبَابَةٌ -أَوْ: سَحَابَةٌ-قَدْ غَشِيَتْهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: " اقْرَأْ فُلَانُ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ . وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَتْلُوهَا هُوَ: أسَيْدُ بْنُ الحُضَيْر، كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حدثنا يزيد، أخبرنا هَمّام بن يحيى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدان بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: " مَنْ حَفظ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، عُصِم مِنَ الدَّجَّالِ ".

رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بِهِ . وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: " مَنْ حَفِظَ الثَّلَاثَ الْآيَاتَ مَنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ] الْإِمَامُ [ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ يُحَدِّثُ عَنْ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: " من قَرَأَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِم مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ".

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، بِهِ . وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ: " مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنَ الْكَهْفِ "، فَذَكَرَهُ.

حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي " الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبان عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَرَأَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ، فَإِنَّهُ عِصْمَةٌ لَهُ مِنَ الدَّجَّالِ " .

فَيُحْتَمَلُ أَنَّ سالما سمعه من ثوبان ومن أَبِي الدَّرْدَاءِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا زبَّان بْنُ فَايِدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَرَأَ أَوَّلَ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآخِرَهَا، كَانَتْ لَهُ نُورًا مِنْ قَدَمِهِ إِلَى رَأْسِهِ، وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا مَا بَيْنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ " انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ

وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويْه [فِي تَفْسِيرِهِ] بِإِسْنَادٍ لَهُ غَرِيبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، يُضِيءُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وغُفر لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ " .

وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي رَفْعِهِ نَظَرٌ، وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِ الْوَقْفُ.

وَهَكَذَا رَوَى الْإِمَامُ: " سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ " فِي سُنَنِهِ، عَنْ هُشَيْم بْنِ بشيرٍ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، عَنْ أَبِي مِجْلَز، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ.

هَكَذَا وَقَعَ مَوْقُوفًا، وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، بِهِ . مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعراني، حَدَّثَنَا نُعَيم بْنُ حمَّاد، حَدَّثَنَا هُشَيْم، حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَز، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ "، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنِ الْحَاكِمِ ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ كما أنزلت كانت لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] .

وَفِي " الْمُخْتَارَةِ " لِلْحَافِظِ الضِّيَاءِ الْمُقَدِّسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ مَنْظُورِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ مَرْفُوعًا: " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَهُوَ مَعْصُومٌ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَإِنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ عُصِمَ مِنْهُ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

[رَبِّ وَفِّقْنِي]

* *

قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ تَعَالَى يَحْمَدُ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ عِنْدَ فَوَاتِحَ الْأُمُورِ وَخَوَاتِيمِهَا، فَإِنَّهُ الْمَحْمُودُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ؛ وَلِهَذَا حَمِدَ نَفْسَهُ عَلَى إِنْزَالِهِ كِتَابَهُ الْعَزِيزَ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ نِعْمَةً أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ؛ إِذْ أَخْرَجَهُمْ بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، حَيْثُ جَعَلَهُ كِتَابًا مُسْتَقِيمًا لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا زَيْغَ، بَلْ يَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، بَيِّنًا وَاضِحًا جَلِيًّا نَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ وَبَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ أَيْ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ اعْوِجَاجًا وَلَا زَيْغًا وَلَا مَيْلًا بَلْ جَعَلَهُ مُعْتَدِلًا مُسْتَقِيمًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿قَيِّمًا﴾ أَيْ: مُسْتَقِيمًا.

﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أَيْ: لِمَنْ خَالَفَهُ وَكَذَّبَهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ، يُنْذِرُهُ بَأْسًا شَدِيدًا، عُقُوبَةً عَاجِلَةً فِي الدُّنْيَا وَآجِلَةً فِي الْآخِرَةِ ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أَيْ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُعَذّب عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ.

﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: بِهَذَا الْقُرْآنِ الَّذِينَ صَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أَيْ: مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ جَمِيلَةً

﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾ فِي ثَوَابِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ الْجَنَّةُ، خَالِدِينَ فِيهِ ﴿أَبَدًا﴾ دَائِمًا لَا زَوَالَ لَهُ وَلَا انْقِضَاءَ.

﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ (٤) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ.

﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَيْ: بِهَذَا الْقَوْلِ الَّذِي افْتَرَوْهُ وَائْتَفَكُوهُ مِنْ عِلْمٍ ﴿وَلا لآبَائِهِمْ﴾ أَيْ: أَسْلَافِهِمْ.

﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ : نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، تَقْدِيرُهُ: كَبُرَتْ كَلِمَتُهُمْ هَذِهِ كَلِمَةً.

وَقِيلَ: عَلَى التَّعَجُّبِ، تَقْدِيرُهُ: أَعْظِمْ بِكَلِمَتِهِمْ كَلِمَةً، كَمَا تَقُولُ: أَكْرِمْ بِزَيْدٍ رَجُلًا قَالَهُ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ. وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ كَمَا يُقَالُ: عَظُم قولُك، وَكَبُرَ شأنُك.

وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ أَظْهَرُ؛ فَإِنَّ هَذَا تَبْشِيعٌ لِمَقَالَتِهِمْ وَاسْتِعْظَامٌ لِإِفْكِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهَا مُسْتَنَدٌ سِوَى قَوْلِهِمْ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَيْهَا إِلَّا كَذِبُهُمْ وَافْتِرَاؤُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ .

وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ قَدِمَ عَلَيْنَا مُنْذُ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيط، إِلَى أَحْبَارِ يَهُودَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالُوا لَهُمْ: سَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَصِفُوا لَهُمْ صِفَتَهُ، وَأَخْبِرُوهُمْ بِقَوْلِهِ؛ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ. فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَسَأَلُوا أَحْبَارَ يَهُودَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَوَصَفُوا لَهُمْ أَمْرَهُ وَبَعْضَ قَوْلِهِ، وَقَالَا إِنَّكُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبِنَا هَذَا. قَالَ: فَقَالَتْ لَهُمْ: سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِنَّ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِن، فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَول فَرَوا فِيهِ رَأْيَكُمْ: سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ، مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ؟ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ. وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، مَا كَانَ نبَؤه ؟ [وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، مَا هُوَ؟] فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَهُوَ نَبِيٌّ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْكُمْ فَإِنَّهُ رَجُلٌ مُتَقَوِّلٌ، فَاصْنَعُوا فِي أَمْرِهِ مَا بَدَا لَكُمْ.

فَأَقْبَلَ النَّضْرُ وَعُقْبَةُ حَتَّى قَدِمَا عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، قَدْ أَمَرَنَا أَحْبَارُ يَهُودَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ أُمُورٍ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِهَا، فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا: فَسَأَلُوهُ عَمَّا أَمَرُوهُمْ بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : "أُخْبِرُكُمْ غَدًا بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ". وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، لَا يُحدث اللَّهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا، وَلَا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى أَرْجَفَ أَهْلُ مَكَّةَ وَقَالُوا: وَعَدَنَا مُحَمَّدٌ غَدًا، وَالْيَوْمُ خمسَ عشرةَ قَدْ أَصْبَحْنَا فِيهَا، لَا يُخبرنا بِشَيْءٍ عَمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ. وَحَتَّى أحزنَ رَسُولَ اللَّهِ مكثُ الْوَحْيِ عَنْهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إِيَّاهُ عَلَى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وخَبَر مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْفِتْيَةِ وَالرَّجُلِ الطَّوَّافِ، وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٨٥]

Ibn Kathir (d. 774 AH) — Tafsir al-Qur'an al-'Azim

Dar Taybah critical edition, tahqiq Sami b. Muhammad Salamah (2nd ed., 1420/1999)