۞i-muslim

Tafsir Ibn Kathir — Surah Al-Falaq 1–5

The Daybreak · Arabic

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ113:1

مِن شَرِّ مَا خَلَقَ113:2

وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ113:3

وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ113:4

وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ113:5

تَفْسِيرُ سُورَتَيِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ

وَهُمَا مُدْنِيَّتَانِ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلة، عَنْ زِرِّ بنُ حُبَيش قَالَ: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ [كَانَ] لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ لَهُ: " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " فَقُلْتُهَا، قَالَ: " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ " فَقُلْتُهَا. فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النَّبِيُّ .

وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الحُميدي فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَبَدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابة وَعَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ قَالَ: سألتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَحُكهما مِنَ الْمُصْحَفِ. فَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ: "قِيلَ لِي: قُلْ، فَقُلْتُ". فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ .

وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ قَالَ: سألتُ ابنَ مَسْعُودٍ عَنِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَقَالَ: سألتُ النَّبِيَّ عَنْهُمَا فَقَالَ: " قِيلَ لِي، فَقُلْتُ لَكُمْ، فَقُولُوا". قَالَ أَبِي: فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ فَنَحْنُ نَقُولُ .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابة، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيش -وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ زِرٍّ-قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ النَّبِيَّ فَقَالَ: "قِيلَ لِي، فَقُلْتُ". فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ .

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبَدَةَ وَعَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، بِهِ .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا الْأَزْرَقُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الصَّلْت بْنُ بَهرَام، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَحُك المعوذتين من المصحف، ويقول: إنما أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ بِهِمَا

وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ -قَالَ الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَأَلَنَا عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ: "قِيلَ لِي، فَقُلْتُ" .

وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُمَا مِنَ النَّبِيِّ ، وَلَمْ يَتَوَاتَرْ عِنْدَهُ، ثُمَّ لَعَلَّهُ قَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، كَتَبُوهُمَا فِي الْمَصَاحِفِ الْأَئِمَّةِ، وَنَفَّذُوهَا إِلَى سَائِرِ الْآفَاقِ كَذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَقَدْ قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازم، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُر مِثْلُهُنَّ قَطُّ: " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " وَ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ " .

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عُقْبَةَ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي نَقب مِنْ تِلْكَ النِّقَابِ، إِذْ قَالَ لِي: "يَا عُقْبَةُ، أَلَا تَركب؟ ". قَالَ: [فَأجْلَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَرْكَبَ مَرْكَبَهُ. ثُمَّ قَالَ: "يَا عُقيب، أَلَّا تَرْكَبُ؟ ". قَالَ] فَأَشْفَقْتُ أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةً، قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَكِبْتُ هُنَيْهَةً، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ قَالَ: "يَا عُقَيْبُ، أَلَا أُعلمك سُورَتَيْنِ مِنْ خَيْرِ سُورَتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّاسُ؟ ". قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقْرَأَنِي: " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " وَ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ " ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمُ رَسُولِ اللَّهِ فَقَرَأَ بِهِمَا، ثُمَّ مَرَّ بِي فَقَالَ: "كَيْفَ رَأَيْتَ يَا عُقَيْبُ اقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَكُلَّمَا قُمْتَ".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، به .

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُقْبَةَ، بِهِ .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عبد الرحمن، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني يزيد ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ الرُّعَيْنِيُّ وَأَبُو مَرْحُومٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ.

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ مشَرح بْنِ هَاعَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : "اقْرَأْ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَقْرَأَ بِمِثْلِهِمَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا بَحير بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان، عَنْ جُبَير بْنِ نُفَير، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَهُ بَغْلَةٌ شَهْبَاءُ، فَرَكِبَهَا فَأَخَذَ عُقْبَةُ يَقُودُهَا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ اقْرَأْ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ". فَأَعَادَهَا لَهُ حَتَّى قَرَأَهَا، فَعَرَفَ أَنِّي لَمْ أَفْرَحْ بِهَا جِدًّا، فَقَالَ: "لَعَلَّكَ تَهَاوَنْتَ بِهَا؟ فَمَا قُمْتَ تَصِلِي بِشَيْءٍ مِثْلِهَا".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ بَقِيَّةَ، بِهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، عَنْ زِيَادٍ أَبِي الْأَسَدِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَعَوَّذُوا بِمِثْلِ هَذَيْنَ: " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " وَ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ " .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ النَّسَائِيُّ: أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن أبي عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمُقْبِرِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: "يَا عُقْبَةُ، قُلْ". فَقُلْتُ: مَاذَا أَقُولُ؟ فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: "قُلْ". قُلْتُ: مَاذَا أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ عَنِّي، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ، ارْدُدْهُ عَلَيَّ. فَقَالَ: "يَا عُقْبَةُ، قُلْ". قُلْتُ: مَاذَا أَقُولُ يا رسول الله؟ فقال: " " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ "، فَقَرَأْتُهَا حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا، ثُمَّ قَالَ: "قُلْ". قُلْتُ: مَاذَا أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ "، فَقَرَأْتُهَا حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: "مَا سَأَلَ سَائِلٌ بِمِثْلِهِمَا، وَلَا اسْتَعَاذَ مُسْتَعِيذٌ بِمِثْلِهِمَا" .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَسَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَرَأَ بِهِمَا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَسْلَمَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: اتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَوَضَعْتُ يَدَيْ عَلَى قَدَمِهِ فَقُلْتُ: أَقْرِئْنِي سُورَةَ هُودٍ أَوْ سُورَةَ يُوسُفَ. فَقَالَ: "لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَنْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق " .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَائِشٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: "يَا ابْنَ عَائِشٍ، أَلَا أَدُلُّكَ -أَوْ: أَلَا أُخْبِرُكَ -بِأَفْضَلِ مَا يَتَعَوَّذُ بِهِ الْمُتَعَوِّذُونَ؟ ". قَالَ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق " وَ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ " هَاتَانِ السُّورَتَانِ" .

فَهَذِهِ طُرُقٌ عَنْ عُقْبَةَ كَالْمُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ، تُفِيدُ الْقَطْعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ فِي الْحَدِيثِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ صُدَيّ بْنِ عَجْلَانَ، وفَرْوَةَ بْنِ مُجَاهد، عَنْهُ: "أَلَا أُعَلِّمُكَ ثلاثَ سُوَر لِمَ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهُنَّ؟ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " وَ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " وَ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ".

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في سَفَرٍ، وَالنَّاسُ يَعْتَقِبُونَ، وَفِي الظَّهْرِ قِلَّةٌ، فَحَانَتْ نزلَة رَسُولِ اللَّهِ وَنَزْلَتِي، فَلَحِقَنِي فَضَرَبَ [مِنْ بَعْدِي] مَنْكِبِيَّ، فَقَالَ: " " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ "، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَقَرَأْتُهَا مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: " " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ "، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَقَرَأْتُهَا مَعَهُ، فقال: "إذا صليت فاقرأ بهما" .

الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، بِهِ .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسْلَمِيِّ -هُوَ ابْنُ أُنَيْسٍ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ قَالَ: "قُلْ". فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ، ثُمَّ قَالَ لِي: "قُلْ". قُلْتُ: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " ثُمَّ قَالَ لِي: "قُلْ". قُلْتُ: " أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ " حَتَّى فَرَغْتُ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ لِي: "قُلْ". قُلْتُ: " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ " حَتَّى فَرَغْتُ مِنْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "هَكَذَا فَتَعَوَذْ مَا تعوذَ الْمُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِنَّ قَطُّ" .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَبُو حَفْصٍ، حَدَّثَنَا بَدَل، حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو طَلْحَةَ، عَنْ سَعِيدٍ الجُرَيري، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرة، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : "اقْرَأْ يَا جَابِرُ". قُلْتُ: وَمَا أَقْرَأُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ: "اقْرَأْ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " وَ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس ". فَقَرَأْتُهُمَا، فَقَالَ: "اقْرَأْ بِهِمَا، وَلَنْ تَقْرَأَ بِمِثْلِهِمَا" .

وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كان يَقْرَأُ بِهِنَّ، وَيَنْفُثُ فِي كَفَّيْهِ، وَيَمْسَحُ بِهِمَا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ -وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ -وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مَعْنٍ وَبِشْرِ بْنِ عُمَر، ثَمَانِيَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ، بِهِ .

وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ سُورَةِ: " ن " مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ أَعْيُنِ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ أَخَذَ بِهِمَا، وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: الْفَلَقُ: الصُّبْحُ.

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْفَلَقِ﴾ الصُّبْحُ. ورُوي عَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، وَالْحُسْنِ، وَقَتَادَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَابْنِ زَيْدٍ، وَمَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، مِثْلَ هَذَا.

قَالَ الْقُرَظِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] .

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْفَلَقِ﴾ الْخَلْقِ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنَ الْخَلْقِ كُلِّهِ.

وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: ﴿الْفَلَقِ﴾ بَيْتٌ فِي جَهَنَّمَ، إِذَا فُتِحَ صَاحَ جَمِيعُ أَهْلِ النَّارِ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ:

حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ آبَائِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿الْفَلَقِ﴾ جُبٌّ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ، عَلَيْهِ غِطَاءٌ، فَإِذَا كُشِفَ عَنْهُ خَرَجَتْ منا نَارٌ تَصِيحُ مِنْهُ جَهَنَّمُ، مِنْ شِدَّةِ حَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ.

وَكَذَا رُوي عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ وَالسُّدِّيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حديثٌ مَرْفُوعٌ مُنْكَرٌ، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:

حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بْنُ خُزَيْمَةَ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُريرة، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: " ﴿الْفَلَقِ﴾ جُبّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى" إِسْنَادُهُ غَرِيبٌ وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ: ﴿الْفَلَقِ﴾ مِنْ أَسْمَاءِ جَهَنَّمَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّهُ فَلَقُ الصُّبْحِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي صَحِيحِهِ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ أَيْ: مِنْ شَرِّ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: جَهَنَّمُ وَإِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتُهُ مِمَّا خَلَقَ.

﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: غاسقُ الليلُ إِذَا وقبَ غُروبُ الشَّمْسِ. حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْهُ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وخُصَيف، وَالْحُسْنُ، وقتادة: إنه الليل إذا أقبل بظلامه.

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ. وَعَنْ عَطِيَّةَ وَقَتَادَةَ: إِذَا وَقَبَ اللَّيْلُ: إِذَا ذَهَبَ. وَقَالَ أَبُو الْمُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ كَوْكَبٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ: الْغَاسِقُ سُقُوطُ الثُّرَيَّا، وَكَانَ الْأَسْقَامُ وَالطَّوَاعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِهَا، وَتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِهَا.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلِهَؤُلَاءِ مِنَ الْأَثَرِ مَا حَدَّثَنِي: نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ -ابْنُ أَخِي هَمَّامٍ -حَدَّثَنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنِ النَّبِيِّ : " ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قَالَ: النَّجْمُ الْغَاسِقُ" .

قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ .

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْقَمَرُ.

قُلْتُ: وَعُمْدَةُ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الحَفري، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي، فَأَرَانِي الْقَمَرَ حِينَ يَطْلُعُ، وَقَالَ: "تَعوَّذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبَ".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، فِي كِتَابَيِ التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَفَظُهُ: "تَعَوَّذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ". وَلَفَظُ النَّسَائِيِّ: "تعوَّذي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، هَذَا الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ".

قَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّهُ اللَّيْلُ إِذَا وَلَجَ -: هَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَنَا؛ لِأَنَّ الْقَمَرَ آيةُ اللَّيْلِ، وَلَا يُوجَدُ لَهُ سُلْطَانٌ إِلَّا فِيهِ، وَكَذَلِكَ النُّجُومُ لَا تُضِيءُ، إِلَّا فِي اللَّيْلِ، فَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَا قُلْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحُسْنُ، وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي: السَّوَاحِرَ -قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا رَقَيْنَ وَنَفَثْنَ فِي الْعُقْدِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ أَقْرَبُ مِنَ الشِّرْكِ مِنْ رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْمَجَانِينِ .

وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: اشْتَكَيْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ". فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيك، مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُؤْذِيكَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ وعين، الله يشفيك .

وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ مِنْ شَكْوَاهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ سُحِرَ، ثُمَّ عَافَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَشَفَاهُ، وَرَدَّ كَيْدَ السحرَة الحسَّاد مِنَ الْيَهُودِ فِي رُءُوسِهِمْ، وَجَعَلَ تَدْمِيرَهُمْ فِي تَدْبِيرِهِمْ، وَفَضَحَهُمْ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَمْ يُعَاتِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، بَلْ كَفَى اللَّهُ وَشَفَى وَعَافَى.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّان، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: سَحَرَ النَّبِيَّ رجلٌ مَنْ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا، قَالَ: فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، عَقْدَ لَكَ عُقَدًا فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا، فَأرْسِل إِلَيْهَا مَنْ يَجِيءُ بِهَا. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ [عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ] فَاسْتَخْرَجَهَا، فَجَاءَ بِهَا فَحَلَّلَهَا قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ كَأَنَّمَا نَشط مِنْ عِقَالٍ، فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِلْيَهُودِيِّ وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ [قَطُّ] حَتَّى مَاتَ.

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ هَنَّاد، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدِ بْنِ حَازم الضَّرِيرِ .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي "كِتَابِ الطِّبِّ" مِنْ صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَنَا بِهِ ابنُ جُرَيْج، يَقُولُ: حَدَّثَنِي آلُ عُرْوَة، عَنْ عُرْوَةَ، فَسَأَلْتُ هِشَامًا عَنْهُ، فحدثَنا عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ سُحر، حَتَّى كَانَ يُرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ -قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ، إِذَا كَانَ كَذَا -فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَعْلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا استفتيتُه فِيهِ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيِّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّه؟ قَالَ: لَبيد بْنُ أَعْصَمَ -رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيق حَليف ليهُودَ، كَانَ مُنَافِقًا-وَقَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي مُشط ومُشاقة. قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِي جُف طَلْعَة ذَكَرٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَان". قَالَتْ: فَأَتَى [النَّبِيُّ ] الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ فَقَالَ: "هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعة الحنَّاء، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ". قَالَ: فَاسْتَخْرَجَ . [قَالَتْ] . فَقُلْتُ: أَفَلَا؟ أَيْ: تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ: "أمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا" .

وَأَسْنَدَهُ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَأَبِي ضَمْرة أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، وَأَبِي أُسَامَةُ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ وَفِيهِ: "قَالَتْ: حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ". وَعِنْدَهُ: "فَأَمَرَ بِالْبِئْرِ فَدُفِنَتْ". وَذَكَرَ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ أَيْضًا ابْنُ أَبِي الزَّناد وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ .

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ وَعَبْدِ الله بن نمير. ورواه أحمد، عن عَفَّانَ، عَنْ وُهَيب عَنْ هِشَامٍ، بِهِ .

وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ رَبَاحٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُرى أَنَّهُ يَأْتِي وَلَا يَأْتِي، فَأَتَاهُ مَلَكَانِ، فَجَلَسَ أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا بَالُهُ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ .

وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْمُفَسِّرُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ غُلَامٌ مِنَ الْيَهُودِ يَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ فدبَّت إِلَيْهِ الْيَهُودُ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَخَذَ مُشَاطة رَأْسِ النَّبِيِّ وَعِدَّةَ أَسْنَانٍ مِنْ مُشطه، فَأَعْطَاهَا الْيَهُودَ، فَسَحَرُوهُ فِيهَا. وَكَانَ الَّذِي تُوَلَّى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْهُمْ -يُقَالُ لَهُ: [لَبِيَدُ] بْنُ أَعْصَمَ-ثُمَّ دَسَّهَا فِي بِئْرٍ لِبَنِي زُرَيق، وَيُقَالُ لَهَا: ذَرْوان، فَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَانْتَثَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ، وَلَبِثَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ، وَجَعَلَ يَذُوب وَلَا يَدْرِي مَا عَرَاهُ. فَبَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ إِذْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَقَعَد أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِهِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: طُبَ. قَالَ: وَمَا طُبَ؟ قَالَ: سُحِرَ. قَالَ: وَمَنْ سَحَرَهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ الْيَهُودِيُّ. قَالَ: وَبِمَ طَبَه؟ قَالَ: بِمُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ. قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي جُفَ طَلْعَةٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَان -وَالْجُفُّ: قِشْرُ الطَّلْعِ، وَالرَّاعُوفَةُ: حَجَرٌ فِي أَسْفَلِ الْبِئْرِ نَاتِئٌ يَقُومُ عَلَيْهِ الْمَاتِحُ -فَانْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ مَذْعُورًا، وَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَمَا شَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَنِي بِدَائِي؟ ". ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَنَزَحُوا مَاءَ الْبِئْرِ كَأَنَّهُ نُقاعة الْحِنَّاءِ، ثُمَّ رَفَعُوا الصَّخْرَةَ، وَأَخْرَجُوا الْجُفَّ، فَإِذَا فِيهِ مُشَاطَةُ رَأْسِهِ وَأَسْنَانٌ مِنْ مُشْطِهِ، وَإِذَا فِيهِ وَتَرٌ مَعْقُودٌ، فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ عُقْدَةً مَغْرُوزَةً بِالْإِبَرِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى السُّورَتَيْنِ، فَجَعَلَ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ خِفَّةً حِينَ انْحَلَّتِ الْعُقْدَةُ الْأَخِيرَةُ، فَقَامَ كَأَنَّمَا نَشطَ مِنْ عِقَالٍ، وَجَعَلَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَقُولُ: بِاسْمِ اللَّهِ أرْقِيك، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ حَاسِدٍ وَعَيْنٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَأْخُذُ الْخَبِيثَ نَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "أما أَنَا فَقَدَ شَفَانِي اللَّهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ يُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا" .

هَكَذَا أَوْرَدَهُ بِلَا إِسْنَادٍ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ، وَفِي بَعْضِهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ، وَلِبَعْضِهِ شواهد مما تقدم، والله أعلم.

Ibn Kathir (d. 774 AH) — Tafsir al-Qur'an al-'Azim

Dar Taybah critical edition, tahqiq Sami b. Muhammad Salamah (2nd ed., 1420/1999)