يَقُولُ: تَعَالَى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ وَهِيَ مَا جَاءَهُمْ مِنَ الصَّوْتِ الْقَاصِفِ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَهُوَ طُلُوعُهَا، وَذَلِكَ مَعَ رَفْعِ بِلَادِهِمْ إِلَى عَنان السَّمَاءِ ثُمَّ قلْبها، وَجَعْلِ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَإِرْسَالِ حِجَارَةِ السِّجِّيلِ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى السِّجِّيلِ فِي [سُورَةِ] هُودٍ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أَيْ: إِنَّ آثَارَ هَذِهِ النِّقَمِ ظَاهِرَةٌ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ لِمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ وتوسَّمه بِعَيْنِ بَصَرِهِ وَبَصِيرَتِهِ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قَالَ: الْمُتَفَرِّسِينَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكِ: لِلنَّاظِرِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لِلْمُعْتَبِرِينَ. وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلْمُتَأَمِّلِينَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ العَبْدي، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "اتَّقُوا فِرَاسة الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ". ثُمَّ قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْفُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ، حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اتَّقُوا فِرَاسَة الْمُؤْمِنِ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ"
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو شُرَحْبِيلَ الحِمْصِيّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا المُؤَمَّل بْنُ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ الرَّحَبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُعَلَّى أَسَدُ بْنُ وَدَاعَةَ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه، عَنْ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَان، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "احْذَرُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ وَيَنْطِقُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ"
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ الْمُزَلِّقُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ لله عبادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ"
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ -يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْمُزَلِّقِ، قَالَ: وَكَانَ ثِقَةً -عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ"
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أَيْ: وَإِنَّ قَرْيَةَ سَدُومَ الَّتِي أَصَابَهَا مَا أَصَابَهَا مِنَ الْقَلْبِ الصُّورِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَالْقَذْفِ بِالْحِجَارَةِ، حَتَّى صَارَتْ بُحَيْرَةً مُنْتِنَةً خَبِيثَةً لَبِطَرِيقٍ مَهْيَع مَسَالِكُهُ مُسْتَمِرَّةً إِلَى الْيَوْمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِالَّليْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٣٧، ١٣٨]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ قَالَ: مُعَلَّم. وَقَالَ قَتَادَةُ: بِطَرِيقٍ وَاضِحٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: بِصُقْعٍ مِنَ الْأَرْضِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: بِكِتَابٍ مُبِينٍ، يَعْنِي كَقَوْلِهِ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وَلَكِنْ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا قَالَ هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: إِنَّ الَّذِي صَنَعْنَا بِقَوْمِ لُوطٍ مِنَ الْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ وَإِنْجَائِنَا لُوطًا وَأَهْلَهُ، لَدَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ جَلِيَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ.